حين كنا صغاراً (5)

منذ طفواتي ارتبطت الأشكال الهندسية في عقلي بالنظام و الترتيب و الانضباط. و لكن في حصة الرياضيات- و كنا نسميها حصة الحساب- أذكر أن معلمتي غالية ذكرت ذلك اليوم،  و هي تشرح لنا خصائص الأشكال الهندسية أن الدائرة هي الشكل الوحيد الذي يحفظ المسافة متساوية بين أيِ نقطتين على محيطها ما دامت تمر بنقطة مركز الدائرة. يومها أحسست بأن الشكل الدائري شكل يدل على العدل و على الحياد. و أذكر أنها سألتنا على سبيل المراجعة، و ترسيخ الفهم، أيِ الأشكال نحب ، و لماذا .. بذكر خصائص الشكل الهندسي الذي اخترناه. أذكر جوابي ذلك اليوم: أحب الدائرة لأنها تذكرني بالأرض و الشمس و النجوم، و لأن كل من في داخل الدائرة يعيشون معاً تحكمهم نفس القوانين و تجعلهم متقاربين، و متساويين في الحقوق. و أذكر يومهاـ أنها لاحظت أن أيِ منا لم يختر الخط المستقيم، فسألتنا : ماذا عن الخط المستقيم؟ و أردفت: أليس هو أقصر المسافات، و أسهلها و أكثرها وضوحاً؟ أذكر أنَا ضحكنا، و انتهت الحصة.

و لكن مع مرور الأيام ازداد ارتباطي بالشكل الدائري، فمحبتي للرسم جعلت من هذا الشكل الهندسي مقياس للمسافات و الأبعاد  وللأشخاص و الأجسام  و الظلال و النور على لوحة الرسم. أذكرأنَ أي منا أنا و زميلاتي لم نختر الخط المستقيم لشدة بساطته و وضوحه،  و هما الصفتان اللتان استهنا بهما، و اعتبرنا أنهما تحصيل حاصل. و لكن بعد مضى السنين، أدركت قيمة الخط المستقيم ، فهو قطر الدائرة الذي يقيم العدل و يحفظ الحياد،  و عمود أيِ زاوية ، و الركيزة التي تضبط أيِ شكلٍ، و تعطيه اسمه، و تحفظ خصائصه.

كل هذه الأفكار راودتني و أنا استمتع لتلك العجوز التي كانت تجلس على ركام كان يوماً بيتاً، و كان فيه زوجُ و أبناء و أحفاد. كانوا هناك و اليوم أمسوا غيابا، و ريح الصمت قد أطبق على كل شيء إلا الذكريا ت التي تشتعل كالنيران، و تتأجج وجعاً لا نهاية له. تحجرت الدموع في زاويتي عينيها كقطرتيَ ماءٍ تجمدتا، كأنهما كوكبان تاها في مدارات الألم و الغضب. قالت: “على الباغ ِتدور الدوائر، و إن طال الظلم ، و من توكل على الله ، فهو حسبه ، هو ربنا نعم المولى و نعم النصير.” كنت أشاهد المنظر، و كل ما نفعله لأهل غزة أن نشاهدهم و نصمت عجزاً و قهراً، أحسست بتلك الرجفة في يدي، و لم أحس إلا و أنا أمسك سيفي وبندقيتي .. أمسك قلمي الرصاص الذي أفرغ فيه على الورق أرقي، و غضبي و خواطري . و لكني بدلاً من أكتب، بدأت برسم خط مستقيم  لست أدري ما أريد. لحظة أو أقل ….. وجدت نفسي أرسم خيمة،  لمن طال عليهم الظلم وأطبقت على أنفاسهم دوائر الخيبة.  أردت أن أرسم خيمة تتسع لكل من لا غطاء له دون حر الصيف، و ريح الخريف، و مطر الشتاء .. خيمة كبيرة للذين جُرِفت الأرض من تحتهم …. فأمست عقيما، فأصبحت ركاماً و رمادا.

 جل ما خطر على بالي أن أرسم عموداً ثابتا ، ليكون مثالاً للصبر و للصمود. عموداً ثابتاً كثبات الحق و التزام  الوعود. لكنه أي الخط المستقيم وحيداً ….لا يشكل بناءً و لا يقيم خيمة، و لا يمتد طويلاً، إذ لا بد أن ينتهي، أو يتحد مع خطٍ آخر غيره ، ليكون كياناً، و تقوم له قائمة. هذا ما كنت و لا زلت أعتقد. خيمة من خيالي، لم تتسع حتى لأفكاري التي تزاحمت مع سكان غزة  …. مع ألمهم و ضيق أنفاسهم و غضبهم و ذلهم و جوعهم، و عن غفلة كل ذي ضميرٍ عنهم، و عن حالهم و  معاناتهم.

أضف تعليق