الجبال

Mountains1

إستحضرَ المشهدُ الرهيبُ -لتلك الجبالِ السودِ الغرابيبِ التي سترَ الثلج ُقليلاً من سوادِها، و كساها جمالاً خففَ قليلاً من قسوةِ و رهبةِ وحدتهِ – قولَهُ تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ .} وحدهُ أمامَ كلِ هذا الجمالُ،و عيناهُ تتنقلان من مكان ٍلمكانٍ و لسانُ حالهِ تسبيحٌ و قلبهُ يتنفسُ الإعجابَ و الإنبهارَ. لم يوقظهُ من حالةِ الهيام ِالتي أيقظتْ في نفسهِ  الإلهامَ إلا البردَ الذي بدأَ يخذلُ أطرافَه ُو يستشري في جسدهِ. وقتها أفاقَ على الحقيقةِ أنه في وسطِ طريقٍ جبليٍّ وحيدٍ و قد تعطلتْ سيارتهٌ. إنسلَ في سكونٍ غريبٍ لم يقطعهُ سوى أزيزَ بابِ السيارة ِالتي أسرع َيختبيء فيها من لسعِ البردِ الشديدِ. حاولَ للمرةِ العشرين الإتصالَ  بنجدةِ الطرقِ بالهاتفِ الجوالِ الذي لم ْتعدْ تغطيهِ أيّ شبكةِ إرسالٍ، و لكنه هذهِ المرةَ لمْ يستطعْ فقد نفذتْ بطاريةُ الهاتفِ . لقدْ وعدَ صديقَهُ الذي يسكنُ في مدينةٍ بعيدةٍ أن يمضيا الإجازةَ معاً ،و هما الغريبان في بلاد ِاللهِ الواسعة ِ التى أتياها يطلبان العلمَ .

عسى اللهُ أرادَ بي خيرا.. حدثَ نفسَهُ قائلاً. أكلَ قطعةً من الحلوى و شربَ قليلاً من العصيرِ، و لكنَ البردَ الشديدَ ذكرهُ برغيفِ الخبزِ الساخنِ الذي كانت تخبزهُ أمهُ و يتسابقُ و إخوتهُ لإقتسامهِ بمجرد ِخروجهِ من الفرنِ الطينّي الذي يقبعُ خلفَ المطبخ، فأدمعت عيناه شوقاً و حنيناً. تذكرَ شمسَ بلادهِ المشرقةِ و شتاؤها الرحيم ،و عيناه تراقبان الثلجَ الذي بدأ َيتراكمُ فوقَ سيارتهِ، أيقظهُ خاطرٌ مخيفٌ قطع َحبلَ ذكرياتهِ الجميلة. ما هي إلا ساعةً و تختفي سيارتهُ تحتَ الثلجِ فلا يراها أحدٌ .. هذا إنّ مرّ بشرٌ هذه الطريقِ البعيدة ِالنائيةِ في هذا الجو العاصفِ. يا ربْ .. ارتحلتُ أطلبَ العلمَ، و لمْ أعصيكَ يوماً، فارحمْ ضعفي و أنتَ رفيقي في وحدتي و غربتي … إليك وجهتُ قلبي و سؤالي … دعا بقلبهِ و لسانهِ.

و فجأةَ أدارَ وجههُ  الي النافذةِ و نظرَ الي الجبالِ الشاهقةِ و رحلتْ عيناهُ الى قريتهِ الصغيرةِ, المتلحفةِ بأشجارِ الزيتونِ و المتزينةُ بعناقيدِ العنبِ و المعطرةِ بالياسمينِ, و بالشيخِ مصطفى إمامُ المسجدِ و مدرسُ القرآنِ و الحلقة ِالتي لم ينقطع ْعنها لسنينٍ طويلةٍ . تذكرهُ و هو يجيبُ  عن سؤالهِ و هو الطالبُ النبيهُ المتفوقُ : من أهمُ العلمُ أم الإيمان ؟ ردَ الشيخُ قائلاً و هو يمسك ُيدهَ و يكورها ثم يقفلُ يدهُ عليها: يا ولدي المرءُ منا كهذهِ الأرضِ و الإيمانُ كالجبالِ الراسياتِ تثبتُ الأرضَ وتمنع ُعنها سيولَ المطرِ ،و تمسكُ الثلوجَ فلا تغرقْ الأرضُ ،و جُعلَ في باطنهِا الثمينِ من المعادنِ. الإيمان يا ولدي يثبتُ المرءَ حينَ الشدائدِ و المصائبِ ،و يمنعُ وسواسَ الشيطانِ ،و يمسكُ النفسَ عن الهوى ،ويخزنُ في النفسِ كنوزَ الرضا و القناعةَ و المحبة. و استطردَ الشيخُ مصطفى و قالَ: و العلمُ يا ولدي كالماءِ  أينما حلَ إهتزتْ الأرضُ و ربتْ وحلتْ الحياةُ و عمَ الخيرُ…. و إنْ انقطعَ الماءُ أجدبتْ الأرضُ و أقفرتْ.. و لكنْ … و إبتسامةً علتْ  شفتيّ الشيخ ِأردفَ و قالَ: و لكنْ على الأرضِ أن ْتكون ثابتةً موجودةً .. ليحلَ عليها الخيرُ أو ينقطعْ.

قرعٌ شديدٌ متوالي، و صوت ٌغريبٌ  أيقظهُ من نومهِ ، فأفاقَ فزعاً لترطمَ يداه على مقودِ سيارتهِ. فتحَ عينيه ليرى رجلاَ يشيرُ إليه بالخروجِ بسرعةٍ من السيارة. فتحَ البابَ و لحقَ بالرجلِ الى العربةِ الكبيرة ِو جلسا إلى جانبِ السائقِ الضخمِ الذي هنأهُ بالنجاةِ و حسنِ الحظِ. نظرَ الي الجبالِ الشامخةِ و قال: لله ما أروعك!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s