
كل ما في هذا الكون خلق لحكمةٍ، و قُدِرَ له وقتُ و زمانٌ لوجوده و بقائه و فنائه، و قول الله سبحانه وتعالى في سورة القمر:( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، لتستدعي هذه الآيه منا التفكر قليلاَ، و التأني في اصدار الأحكام، و سوء الظن بالله ، و اليأس من رحمته و الشك في قدرته. و لمن عاش في هذه الدنيا ليرى فيها عجائب الله في خلقهِ الليل و النهار، و تعاقبهما ، فبعدُ كل ِظلمةٍ و حلكةٍ … نور ٌو نهار. كما للعدل نهارُ لابد بازغٌ و للظلمِ أجلٌ لا بد زائلُ. و لمن تفكر في تغير الفصول لرأى دورة الموت و الحياة ، و كيف تموت مخلوقات لتعيش غيرها من الكائنات، و لعلمََّ أن الحياة على الأرض ليست حكر على البشر، بل تشاركنا فيها كائناتِ كالنبات و الشجر و الحيوانات و دقائق الحشرات و غيرها ، كما و تحكمنا و تشكل مسار أيامنا منظومات من أحكام الكون كالريح وكالغيم و المطر و الحر و البرد و المد و الجزر, و الغيث و الجدب، فقط ربنا الله من بيده مفاتيح الغيب، و يقدر كل شيء تقديرا محكماً لا نعلم منه الا القليل.
استحضرت ذاكرتي قول امرؤ القيس:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَه……..عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِه ………………….وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي ……………بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
كنت قد أخذت على قلبي الموجوع برؤية غزة و آلامها، و وجعها و هول ما يصيبها من قتل و تشريد و تجويع، أن لا أكتب ، و قد أحسست أنه لا فائدة من الكتابة، و الأذان صماء و العيون عمياء، تلحفت بأضعف الإيمان ….. و الدعاء لهم بقلبي، و ليس من شيءٍ أعظم من مناجاة القدير، و من سؤال المجيب ، و من استعطاف الرحيم …… الله رب العالمين، أن يزيل هذا الليل الطويل المظلم كموج بحر غزة ، والذي يقتل في صدور البائسين الأمل بالنور، و ينزع من قلوب الموجوعين من فراق الأحبة، و عذابات الفقد و المرض … اليقين بقرب رحمة الله. حين عجزتُ عن الكتابة و لم تطاوعني الحروف للملمة شمل الكلمات التي ضلت طريقها لترجمة الكلام، و انكسر سن قلمي الرصاص الذي لم يعد يصيب المعاني الحقيقة لوصف ما يحدث في غزة، و لم يعد يصدقني في بثٍ حيِ لآلامي ، و كيف لي! …. .. و العالم كله يرى البث الحي و المباشر لجرائم قتل الأطفال و الصغار و الكبار، و حجم الإجرام و الدمار، و ليس من يجرؤ أن يوقف الهمجية و الوحشية، و لا يستنكرها ذوي الألسنة المفوهة عن الحضارة و الإنسانية -التي بات معلومً انها مكفولة فقط لذوي البشرة البيضاء و العيون الزرقاء. وجدت اليوم أصابعي التي لم أحس بغضبها سوى هذه اللحظة، و هي تضرب هذه الحروف على طابعة جهازي ، كأنها تصفع بكل حرف وجهي قائلاً: أمثلهم أنت؟ أبخلت عليهم حتى بالكلام؟
لك الله يا غزة، لك و لنا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء، و هو على كل شيء قدير، و ألا إن وعد حق، و هو لا يخلف الميعاد. و لمن شك في رحمة الله و لطفه، و يأس من قدرته و عدله، و أنكر صفاته، و هو العزيز و الحكم و القدير و الجبار و القهار ….. فقد ضعف ايمانه و خانه اليقين، ألا ينظر هؤلاء في أمر الأمم من قبلنا، و قد ذكر الله حالهم ليُعْلمنا بقدرته و برحمته ، و وعده للصادقين و الصابرين بنصرٍ و أجرٍ من عنده، فلا يَضْعفُ منا الإيمان به في قوله تعالى في سورة الفجر:(أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ، ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ، وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ، وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَاد، ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ، فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ.)
و لأن كان و لا زال اليقين دائماً و أبداً سلاحي الذي لم يخذلني أو يخني، إلا أن الألم الذي يلوي عضلات القلب يعصرها عصراً، و يغلف الفم بالمرارة التي تسري مع الدم – لمرآى حال الأطفال الجوعى، والشيوخ المرضى، و الأمهات و الزوجات الثكلى، و الشباب و الرجال الذين طأطأت منه الرؤوس ذلاً لرغيف العيش الذي ثمنه رجلاً او يداً أو الموت برصاص قتلة الإنسانية، و الطغاة …..الذين علوا في الأرض و تمادوا في البطش و الإجرام. و لسان حالي يردد المثل العربي، لأُذكر أؤلئك الذين لا زالون يقرؤون العربي: ” لقد بلغ السيل الزبا“