المهرج

on

هل سيضحك؟ .. هل ستروقُ له؟ … هل سيُحبها؟ .. هل ستمضي الليلةُ على خيرٍ؟ .. هل سأبقى محظوظاً لديهِ؟ دخلَ عليهِ يترنحُ كالسكرانِ في حركاتٍ بهلوانيةٍ، و ملابسَ غجريةٍ، و غطاءِ رأسٍ يشبهُ رأسَ الطاووسِ، و يلبسُ قلائدَ ملونةً كقلائدِ البدوية. و لكنَ الرجلَ الذي توسطَ القاعةَ العاليةَ السقوفِ، و المليئةِ بالتحفِ و الضيوفِ … نظرَ إليهِ كمن اعتادَ المشهدَ أجابَ على كلِ الأسئلةِ التي راودتهُ قبلَ دخولهِ الديوانِ: هل لديكَ جديدٌ؟ .. فمن القديمِ الباهتِ .. لا أريدُ المزيد، و أردفَ بلهجةٍ آمرة: أريدُ الليلةَ ما يضحكني حتى تملأَ القهقهاتِ الأرجاء … .. و ينتابني الضحكُ حتى البكاء. و استطردَ السيدُ قائلاً: لقد أمضيت وقتاً طويلاً في هذا البيتِ تصنعُ ما تصنع، و أعتقدُ أنك استنفذتَ ما لديكَ من حسِ الدعابةِ و الفكاهةِ، و لزمَ أن ترتاحَ و تتركَ  هذا العملَ لشابٍ صغيرٍ يعرفُ الجديدَ من النوادرِ و الفكاهةِ و العروضِ المضحكة. توسطَ القاعةَ ليبدأَ عرضهُ الفكاهي … و لكن السيدَ استوقفهُ برفعِ سبابتهِ قائلاً: حسناً دعنا نحتفلُ بهذا اليومِ على اعتبارِ أنهُ يومكَ الأخيرِ في العمل. وقفَ كالمذهولِ.. الذي التبست عليه الأمور، و نسيّ ما أرادَ أن يقول، و لكنه شعرَ براحةٍ غريبةٍ .. جعلته يستدركُ الموقفَ و حَرجَهُ، و أنَّستْهُ ثقلَ المصيبة. قال حماد: أتسمحُ لي يا سيدي بدقيقةٍ أغادرُ القاعةَ، و أعودُ بسحنةٍ و هيئةٍ جديدة. أشارَ الرجلُ بكفِ يدهِ التي فردَ أصابعها بسرعةٍ في الهواءِ دونَ الكلامِ أو النظرِ اليه موافقاً. لم يتأخرْ.. و عادَ و توسطَ القاعةَ، نظرَالسيدِ اليه باستغراب.. ثم وجهَ الحديثَ لخادمهِ غاضباً: أينَ ذهبَ ذلكَ الأحمق ؟  قل له أن لا يأتي.. و ادعُ المهرجَ الجديدِ للدخول. أنا هنا يا سيدي.. منذ دقيقة قال حماد. سأل السيد: ممتعضاً من أنت؟

 تمنى لو أنه سأله هذا السؤالِ قبلَ عشرِ سنواتٍ حينَ قابلهُ في أحدِ الأسواقِ، و أعجبَ بأدائهِ الفكائي، و طلبَ منه أن يعملَ عنده في القصر.قفزَ في الهواءِ قفزةً عاليهً.. رافعاً كلتا يديهِ … ثم فردهما، و دارَ دورةً كاملةً، و هبطَ برشاقةٍ شديدةٍ- حرصَ عليها سنواتهِ العشرِ في القصرِبممارسةِ تمارينٍ قاسيةٍ و بحرمانِ نفسهِ من الطعامِ الذي يحبه- ضحكَ الحضورُ، و صفقوا استحساناً لرشاقتهِ و خفته. تربعَ على الأرضِ في حركةٍ استعراضية و قالَ: كان يا ما كان … في شاب كسلان .. عن العلمِ زاهد و راغب، و قطعَ والداه الأملَ في حثهِ على العملِ، و غيرِ السخريةِ و الفكاهةِ ما أحسن، و ظنَ أن بهِ من النجابةِ و الفراسةِ… ما يغنيه عن العلمِ و الدراسة….. تركَ لوالدهِ العجوزِ دكانهُ الصغيرِ الذي يأتي بالمالِ اليسيرِ، و يقضي من حاجاتِ الدنيا القليلِ اللازم …. و ظنَ أن قدرهُ بالفقرِ لا محالةَ لازم …… أخذَ الفتى قرارهُ بتركِ القريةِ و العجوزين، و شقَ طريقهُ الى الشهرةِ و المجدِ بروحِ الدعابةِ و المزاحِ و خفة ذاتِ اليد ….. بلا تعبٍ و لا كد.

عملَ في السوقِ مهرجاً، يُضحكُ العبادَ، و يتندرُ بحكايا الصبايا، و سِيَرِ أمجادِ الأجداد. نجحَ في كسبِ حبِ البسطاءِ، الذين اشتروا البسمةَ التي قطعت وصلها مع قلوبهم المتعبة. انتصبَ حمادُ قائماً ،و ضم ذراعيهِ الى صدرهِ بسرعةٍ، ثم فتحهما بسرعةٍ أكثر.. و هو يرفعهما عالياً وقال: و ذاتَ يومٍ و في السوقِ … و قد أتت السياراتُ الفارهةُ في موكبٍ مهيبِ لسيدٍ … أتى يتفد الرعيةَ و السوق من بلدٍ بعيد، و كان الفتى يؤدي فقرته الإستعراضية، و ضحكَ السيدُ .. حتى علا صوتُ قهقهاتهِ، و ملأَ صداها المكان. استأجره الرجلُ ليصبحَ مهرجَ القصر.عادَ ذلك اليومَ الى البيتِ يملأُ قلبهُ الفرحَ، و أحسَ بنشوةِ الانتصارِعلى الفقر. و حين أخبرَ والديه بالأمرِ، قال له أبوه: يا ولدي ابحث لك عن صنعةٍ أو حرفةٍ تحبها و تعلمها، و اعمل بها … أكرمُ لك و أفضل من هذه المهنة. قال لأبيه مازحاً: أعمل ما يسعدني، و أكثرُ ما أحبُ و أرغبُ أن أعملَ مهرجاً. ردَ أبوه قائلاً: تضحكُ الآن …. و ستُضحِكُهم …. و سيضحكون حتى تدمع منهم العيون .. و سيضحكُ من جهلك الزمانُ ….. و تعصرك الحسراتُ كعصرِ الليمون ……. فحين ترغبُ عن صنعةِ المهرجِ … و تريدُ أن تعودَ رجلاً … سيرفضُكَ من حولك  ….. و إن لبستَ لباسَ العقلِ يوماً .. سينعتونك بالجنون.

أفاقَ من فِكَرِهِ ، و قفزَ قفزةً سريعةَ .. ثم دارَ نصفَ دورةِ، و تشقلبَ في الهواءِ…. ثم قفزَ على الأرضِ كالضفدعِ… مما أثارَ الضحكَ في القاعةِ، و بسطَ يديهِ باتجاهِ سيدهِ و قال: عشتُ معك يا سيدي عشرةَ سنين … لم ترَ فيها وجهي … و لم تعرفُ فيها اسمي. عرفتَ مني النكاتِ و الألاعيب … التي لا  حرامَ فيها و لا عيب ….. و أنا أذكرُ من الناس ِ حسناتهم و العيوب، و أتندرُ بأفراحهم و أحزانهم ….. و أسخرُ من أصواتهم و هيأتهم ….. لتضحكَ يا سيدي …. و يَسْعَدَ مساؤك. اليومَ يا سيدي سأتركُ هذه الساحةَ  …. و يسكنُ قلبي الراحة ….. و إن كانَ مزاحي قد سرقَ مني رفاقي، و دعاباتي و سخرياتي أضاعتْ مني طيبَ أعمالي و حسناتي ….. فاعلم أني قد اجتهدت لأرضيكَ، و كنتُ حريصاً على أن لا أمضي نهاري سوى في البحثِ عما يسليك ،و قد ألزمت نفسي بشرطك أن آتيك كل يومٍ … بالمضحكِ الجديد.

أشكركَ يا سيدي أن أعدت لي حريتي و أعتقتني …. من جَوْرِ نفسي على نفسي … و قسوةِ قلبي على قلبي …. أشكرك أنك أعدتني رجلاً لأبحثَ عن هويتي. نظرَ إليه السيدُ بغيرِ اهتمامٍ  و قال: هذا عرضٌ ختامي لا بأسَ به…. وأمرَ خادمهُ بصرفِ مكافأةٍ له .. ثم أشار بسبابتهِ لحمادٍ بمغادرةِ القاعة، و وجهَ الحديثَ للخادمِ قائلاً: ادخلْ المهرجَ الجديد … لنرَ إن كان لديهِ ما نرغبُ و نريد.

6 Comments اضافة لك

  1. hobash كتب:

    جميل، لون جديد ، ومازالت الأدبيات راقية، واتمنى لك دوام التوفيق والإبداع.
    هوبش

    1. rawmak كتب:

      شكراً عزيزتي

  2. NAZIH KHATATBA كتب:

    تحياتي راوية واتمنى ان تكوني بسلام وصحة وبخير شو اخباركم واين انت هل ما زلت في تورونتو ؟ http://www.meshwarmedia.com/?p=17799

    Dr. Nazih Khatatba Meshwar Media Canada, Toronto 1-416-302-7664 1-289-652-5812 address : PO BOX 51053 1 – 70 EGLINTON SQUARE , SCARBOROUGH, ON M1L 4T2 http://www.meshwarmedia.com

    ________________________________

    1. rawmak كتب:

      الحمد لله نحن بخير و نتمنى أن تكون كذلك. أنا مع الأهل و نراكم على خير ان شاء الله.

  3. شكرا لقد أعجبتني طريقة تعبيرك

  4. رياض وادي كتب:

    رضا الناس غاية لا تنال

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s