زنبقة الماء

water lilly

رفعتُ رأسي و يراودني شعورٌ غريبٌ و أنا أقفُ تحتَ هذهِ الشجرةِ الضخمةِ الطويلة، أحسستُ بأني قزمٌ تاهَ في بلادِ العمالقة. و لكن الدهشةَ لم تنتهِ فقطْ بمقارنةِ حجمي بالنسبةِ لها و لا بعمرها و لكن بجمالها و خضرتها و ظلها. رأيتُ نفسي .. أكلمً نفسي متسألةً: هذه الشجرةُ ليست عجوزٌ رغمَ تلكِ الطبقاتِ المتراكمةِ واحدةً فوقَ أخرى على جذعها الممتدِ كسبورةِ المدرسةِ من عشراتِ السنين، و لا زال كلُ طالبٍ و مدرسٍ يكتبُ و يمحو، و لكن السبورةَ لا زالت موجودةٌ، و صالحةٌ للاستعمال. أدخلتُ أصبعي داخلَ أحدِ الشقوقِ، أنزعُ طبقةَ من ذلكِ اللحاءِ الذي جفَ و لا زالتْ رائحة ُالحياةِ تعطرهُ. نظرت ُبإعمانٍ لتلكَ الألوانِ الجميلةِ المتناغمة، و ذكرني ذلكَ السائُل اللزجِ  بألوانه الشفافةِ الذي علقَ  بها بمزيج ِالعسلِ الأسودِ بالعسل الأبيض، لم يطغ أحدها على الآخر. نظرتُ الى قدميّ اللتان كانتا تقفان فوقَ أحدِ الجذورِالتى قررت رفقةَ نورِ النهار و زرقةِ السماء. جلستُ تحتَ الشجرةِ، و كأني أجلسُُ في حضنها، و قد عانقت الأغصانُ بعضها و تدلت بدلالٍ الى الأرضِ تلوحُ بأوراقها شمالأ و يمنياً تتلاعبُ بنورِ الشمسِ، فترسلُ تلكَ الومضاتِ من الظلِ و النورِ، فتدعكُ تشتوقُ لما ستراه بينَ حينٍ و حين من فراشٍ صغيٍر يختلسُ إليك النظرَ و يرحلْ، أو عصفورٍ صغيرٍ عاد لبيتهِ فإذ بضيوفٍ في ردهةِ المنزل فيرتبكُ و يطيرُ ثانيةً

و أتى سؤالٌ، و أنا اتلمسُ ذلكَ الجذرِ النابي الذي أطلَ من ظلمةِ الأرض … ما سرُ بقاءِ الشجِر-كهذه الشجرةِ- طويلاً في الأرضِ؟ .. و لا زالت خضراءََ مورقةً جميلةً مثمرةً! … أهي الجذورُ القوية؟ إنّ كانت جذورُ الشجرةِ هي شراينها .. فالأرضُ قلبها  …و الماءُ هو ما ينبضُ فيها بالحياة .. أليس كذلك؟ تُرى أين تمتدُ جذورُ الإنسانِ؟ .. من أولى بالأرضِ … الإنسانُ أم الشجر؟

مضيتُُ في طريقي و لا زالت تلكَ الومضاتِ من نورِ الشمسِ عالقةً بين أجفاني، و صوتُ حفيفِ الورقِ و زقزقةِ العصافيِر تطربُ أسماعي. عدتُ  للبيتِ و قد قررتُ أن أنصفَ الشجرةَ حقها ، وأن أكتبُ عن تلكَ الجذورِ المهيبةِ التي حفظت الشجرةَ من الوقوعِ و الزوال. ولكن صورةً لزنابقِ الماءِ على الكمبيوتر استوقفتني قليلاً لأعيدُ صياغة َما اعتقدهُ اليقينَ، و بلا شك. زنابقُ الماءِ تنمو علي صفحةِ الماءِ جذورها رقيقةٌ  و متحركةٌ مع كل نسمةِ هواءِ تلوحُ و تهتز، و لكنها تبقى و تعيشُ جيلٍ بعد جيل …  طالما هناك ماءٌ و نور. جمالها آخاذٌ  ويمكنُ لشخصٍ مثلي أن ينامَ على ورقةٍ من أورقها الضخمةِ كالسرير. ما سرُ بقاءِ الزنابقِ طويلاً في الماء بالتأكيدِ ليس الجذور.  و أتى السؤال الذي أعاد صياغة مجهوله المبهم .. هل للإنسانِ جذورٌ؟ ماذا يربطُ الإنسانُ بالأرضِ؟ أيُعمرُ الإنسان بمقياس بالعمرِ أم بمقياس العمار؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s