نقيق الضفادع

The lake

لمْ يعدْ يحتملُ ذلك الصداعَ الذي أرقهُ و سلبَ النومَ من مقلتيهِ، و تركهما مفتوحتين الليلَ بطولهِ كبابِ بيتٍ نسي صاحبهُ أن يغلقهُ في يومٍ عاصفٍ ماطر. بدأَ يبكي من الألمِ الذي أثقلَ رأسهُ، و جعلَ عينيهِ تدوران في رأسهِ تحركان تلكَ المطرقةِ التي لا تزالُ تدقُ جانبيِّ رأسهِ بلا هوادةٍ منذُ مساءَ الأمسِ . الأمسُ .. و يا لهُ من يومٍ عصيبٍ تمنى لو أنه قد محيَّ من ذاكرتهِ. و لكنَ وميضاً من الماضي اخترقَ الزمنَ كشهابٍ هاربٍ من مداراتِ الفضاءِ اللامتناهي.. تراءتْ له  الذكرياتُ بوضوحٍ … كما لو أن المشهدَ حاضرٌفي اللحظةِ و التو

عادَ من المدرسةِ و الجوعُ يقرصُ معدتهُ، و أقصى الأماني هي… طعامٌ ساخنٌ و شرابٌ باردٌ و أنْ يجلسَ على الأريكةِ لا يكلمُ أحداً و لا يجيبُ على أسئلةٍ. لكن والدهُ كان بانتظارهِ عندَ البابِ، و طلبَ منه تغييرَ ثيابَ المدرسةِ ليصحبهُ معه لتفقدِ أحوالَ المزرعةِ و هي عادةٌ اعتادها السيدُ عبد المعطي في منتصفِ كلِ شهرٍ.  أسماهُ أهلَ القريةِ سيدَ الخيرِلما لهُ من أياديٍ طويلةٍ بالخيرِ و العطاء. لم تكن مزرعةً بقدر ما كانت بستاناً كبيراً به شجرٌ مثمرٌ بكلِ فاكهةٍ من كلِ لونٍ و كلِ طعمٍ و شجرٍ ظليلٍ من كلِ مطرٍ و قيظٍ، و زهرٍ بكلِ عطرٍ و لونٍ و حسنٍ و جمال. كانتْ جنةَ الرآئي و إلهامَ العاشقِ و موالَ الزمار. قالوا: زيارتها تبهج ُالقلبَ و تطيلُ الأعمار. سكنها الكثيرُ من المزارعيين الذين تولاهم السيدُ عبد المعطي و عائلاتهم بالمحبةِ و الرعايةِ فأخلصوا الصنعةَ و أحبوا البستانَ و و أتقنوا عملهم حتى الإحسان

مشى مع والدهِ لأربعِ ساعاتٍ متواصلةٍ من مرجٍ لمرجِ، و صعدَ رابيةً، و هبط َمعه أخرى يصافحهمُ النسيمُ العليلُ وأريجُ الزهِر كما أيادي المزارعيين و أولادهم الصغارِ الذين علا هتافهم بالترحيبِ بهما. أخذَ الركبُ يكبرُ و الجمهورُ يتزايدُ، و ما أن وصلا البحيرةَ الصغيرة تعالت أصواتُ القادمينَ مع الحاضرينَ بالترحيبِ بسيدِ الخيرِ و ولده. جلسَ الى جانبِ والده الذي بدأَ يسألُ كلَ فلاحٍ عن حالهِ و صحتهِ و أُسرتهِ فرداً فرداً …و يجيب الفلاحُ بالحمدِ و الشكرِ. بدأَ النهارُ يتسلُل خلفَ الرابيةِ العاليةِ، و يواري الشمسَ رويداً رويدا، و بدأ الفلاحون بتناولِ طعامِ الإفطارِ مع زوالِ الشمسِ و اشراقِ البدر. صاموا جميعاً اقتداًء بحسنِ خلقهِ و طيبِ معشره. أفطرَ مع أبيهِ الذي اعتاد صيامَ كل ثلاثةَ أيام ٍمن منتصفِ كلِ شهر. امتدت مائدةٌ جميلةٌ وفرشتْ وسائدٌ ملونةٌ حولَ البحيرةِ الصغيرةِ التي انعكسَ عليها ظلالُ الوجوه ِالباسمةِ كما وجهُ البدرِ في تمامه ذلك المساء. يا لها من بحيرةٍ ما أجملها … قالَ له والدهُ و أكمل: و اللهُ لساعةٍ أجلسها هنا أحبُ اليَّ منْ كلِ ما أملك. نظر عبد المعطي في وجهِ ابنه الذي علتهُ الدهشةَ و سأل الأبُ : أتدري يا نعيمُ ما قصةُ هذه البحيرة؟ هزَ الإبنُ رأسهُ :لا

لمْ أرثْ عن أبي مالاً و لا عقاراً، و لكنّي ورثتُ عنه صدقَ السعي و حبَ الخير. عملتُ جاهداً حتى اشتريتُ هذا البستانَ و كان أرضاً فضاءً، فتعاهدت مع المزارعيين على أن يزرعوا الأرضً و نتقتسمُ الغلةَ معاً. أحبوا الأرضَ لأنها سترهمُ و رزقهمُ … أحبوا الإحساسَ بأنهم جزءٌ منها … هم مِلّكُها و هي ملكهم. كنتُ أمرُ كلَ منتصفَ شهرٍ و أنا صائمُ على البستانِ الذي أينعَ و أثمرَ عاماً بعد عامٍ، وأمرُ على المزارعين واحدٍ  …واحد، بيتٍ … بيت .. أطمئنُ عليه حتى أصلَ آخرِ البستانِ، فأجلسُ تحتَ شجرةِ الكينيا -أشار الأب بيده الى الشجرة التي تظلهم- مع غروبِ الشمس ، و قد شارفَ وقتُ الصلاةِ، فاتناولُ افطاري، وأصلي مع من صحبني من المزارعيين. و في مرةٍ و أثناءَ زيارتي أحسستُ بشيءٍ غريبٍ يحدثُ لأولِ مرةِ، فكلما مررت ببيتٍ أو مرجٍ.. خرجَ أهلهُ جميعاً و بيدهم سلةٌ مغطاةٌ .  تزايدُ الركبُ و كلما مشينا باتجاهِ نهايةِ البستانِ حتى ايقينتُ أنه لم يبقَ رجلٌ أو امرأة في ذلكِ البستانِ إلا و قد صحبنا. كنتُ كلما اقتربتُِ من مكانِ شجرةِ الكينيا علا صوتُ زقزقةٍ العصافيرِ أكثرَ و أكثرَ، تصاحبها ضحكاتِ الصغارِ، و ههمةٍ الكبارِ الذين حاولوا لجمَ الدهشةِ المرتسمةِ على الوجوه. اختفت الشجيراتِ الصغيرة من على جانبي الطريقِ الذي تمَ رصفهُ بالزلطِ و الحجارةِ الصغيرةِ الملونةِ، و بدأتُ أرى صفوفاُ من شتلاتِ الوردِ التي غرستْ من وقتٍ قريب . لم أستطعْ أن أمنعَ نفسي من الشهيقِ من شدةِ الدهشةِ حين رأيتُ بحيرةً صغيرةً قد تكونت بالقربِ من شجرة الكينيا، و طاولةً من الخشبِ طويلةً أمتدتْ بالقربِ من ضفتها، و كراسى صغيرةٍ و جميلةٍ متناسقةٍ قد صفتْ على الجانبين. لم أجدْ فرصةَ لأسئلَ، و قد أخذَ المزارعون و زوجاتهم بفرشِ أغطيةٍ جميلةٍ على الطاولةِ الخشبيةِ، و بدأوا باخراجٍ الطعامِ من السلالِ و صفها على الطاولة. قالَ الشيخُ اسماعيل: قد صامَ أهلُ البستانِ اليومَ، و قد أحببنا أن نشارككَ الأجرَ. لم أجدْ من الكلامِ ما أقولُ مناسباً و لا منَ الأسئلةِ ما أسأل . و لكنَ البدرَ الذي خِلُته نزل من السماء فرحاً و انتصفَ البحيرةَ الصغيرةَ و عكسَ نورهُ فأضاءَ المكانَ كليلةِ زفافٍ مشرقةِ الأنوارِ.. جعلني أحمدُ الله. و أذكرُ أنَ الشيخَ اسماعيل- و هو المسؤول عن البستانِ منذ اشتريته- قالَ لي بصوتٍ عالٍ معلناً أمامَ الجميعِ : هذه البحيرةُ و ما حولها من وردٍ  هديةُ أهلِ البستانِ لك، فهو مكانكُ المفضل، و حيثُ تحبُ أن تستريحَ وأنْ تفطرْ، و قد احترنا كيفَ نعبرُ لك عن محبتنا و احترامنا لك، أرجو أن تتقبلها منا.  نظرَ السيدُ عبد المعطي في عينيِّ ولدهِ نعيم و قالَ له: أنتَ بخيرٍ  يا ولدي .. ما دامتْ البحيرةُ صافية.. و لم ينقَ فيها ضفدع. علتْ الدهشةُ وجه الشابِ الذي ردَ: لم أفهمْ يا أبي. ردَ الأبُ : ستفهمُ ذاتَ يومِ … و أن كنت أتمنى أن لا يأتي

عشرُ سنواتٍ مضتْ، و رحلَ السيد ُعبد المعطي الى بستانٍ أوسع و محبةٍ أكبر و ظلٍ أورف ، و استلمَ رعايةَ البستانِ .. هارونَ أحدُ الأقاربِ، و قدْ وُّكِلَ باحضارِ الغلةِ كلَ سنةٍ لوالدته، و قد انشغل نعيم بالدراسةِ و الجامعةِ و العمل. و أتى يومٌ أخبرَ السيدُ هارون المنتفخَ البطنِ الوالدة أنَ البستانَ قد هَرِمَّ ، و لمْ يعدُ يغطي نفقاتهِ، و أنه من الأفضلِ بيعه. إرتأت والدتهُ أن يذهبَ  نعيم لزيارةِ البستانِ، و أخذَ القرارِ المناسبِ ببيعهِ أم ابقائه. كانَ نعيمٌ مشغولاً بعملهِ، و لكنَ إلحاحَ والدتهِ دفعهُ لزيارةِ البستان. استقبلهُ السيدُ هارون و يدهُ على بطنهِ يشكو من الألمِ و الوجعِ و التعبِ و يلومُ العمرَ و الجهدَ الذي بذلهُ في سبيلِ إبقاء البستانِ نافعاً. وافقَ نعيمُ على فكرةِ البيعِ و غادرَ هارونَ تاركاً اياهُ. قررَ زيارةَ البحيرةِ، و لا زالتْ تأسرهُ تلكَ المناظرِ التي سكنتْ ذاكرتهُ منذ آخرِ مرةٍ زارها مع أبيه

غمرهُ الحزنَ و غشاهُ الغم ُو هو يمشي في طرقاتِ البستانِ الذي جَدُبت أرضهُ، و مرَعلى بيوتِ المزارعيين الذين أشاحوا ووجوهم عندَ مرآهُ، و كستْ الشفقةُ  عليهِ وجوهَ الآخرينَ منهم. وصلَ البحيرةَ وحيداً و قدْ قاربتِ الشمسُ على المغيبِ. نظرَ الى البحيرةِ المهملةِ التي غُطيت بالأغصانِ الجافةِ و الطمي والحشرات، و انبعثت منها رائحةُ الطحالبِ الكريهة. جلسَ على مقعدِ والدهِ تحتَ شجرةِ الكينيا ليرتاحَ من المشي لساعاتِ الأربعِ الماضية، و لكنَ نقيقَ الضفادعِ طغى أعلى من كلِ صوتٍ آخر مسبباً له الصداع. غادرَ المكانَ هارباً، و في منتصفِ الطريقِ وجدَ الشيخَ اسماعيلَ يصلى المغربَ بين الشجر. انضمَ إليه، و سعدَ برؤيته الشيخُ. حين أخبره نعيمُ عن نيتهِ بيعَ البستانِ، قالَ له الشيخُ: الأرضُ لا تَهّرم يا ولدي، و لكنها تحبُ و تعطي من يحبها، و هذا الرجل-هارون- يأكلُ بطنهِ نارُ المالِ الحرام، و قدْ ظلمَ المزارعيين وأساءَ معاملتهم، وأكلَ حقوقهم. وأضافً الشيخُ: قدْ شاركتَ في ما آلَ إليه حالُ البستانِ و أهلهِ من عدم ِحرصكَ على متابعةِ مالكَ و مال أبيك و مالِ الناس

أفاقَ من أفكارهِ و ذكرياتهِ على صوتِ قرعٍ على البابِ، و أُمه تدعوهُ لتناولِ الإفطار. أعذريني يا أمي فأني اليومَ صائمٌ .. و لو سمحتي حضري لي طعاماً فسأفطرُ في البستانِ اليوم. نظرَ الى الرزنامةِ المعلقةِ على الحائط ِو قالَ مبتهجاً: الحمدُ لله إنه منتصفُ الشهرِ. نظرَ الى إمهِ التي لمعتْ عيناها ليسَ من الفرح الذي أضاء أساريرها فقط … بلْ و منَ الدموعِ التي بدأتْ تنسكب على وجنتيها أيضاً

2 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s