صدفة

Sailing1

أغمضتْ عينيها و هزتْ رأسها في سعادةٍ و مَضَغَتْ الكعكةَ المحشوةَ بالتمر ِباستمتاعٍ و تلذذٍ و فتاتِ الكعكةِ تتناثرُ حولَ شفتيها , حاولت لملمتها بيديها الإثنتين بارتباك ٍلمنعها من الهروبِ بعيداً عن فمها. ضحكت الجدةُ و قالتْ: هوينكِ يا صغيرتي .. هاكِ واحدةٍ أُخرى. التقطتْ أسماءُ الكعكةَ الثانية كأنما خشيتْ أن تغيرَ الجدةُ رأيَها و قالت: لو تدرينَ كمْ إشتهيتُ هذه الكعكةْ … كانَ الدرسُ اليومَ عن العيدِ… و اشتهيت أن آكل من كعكِ العيدِ الذي صنعته مع أمي قبلَ عيد الأضحى … أتذكرين !… و فجأة سألت الصغيرةُ :أهو ذاك الكعك ؟ قالت الجدةُ: انهما كعكتان أعطتني إياهم أمكُ يومَ عرفة و كنت صائمةً فوضعتها في هذه العلبةِ الصغيرةِ و نسيتهما, و اليومُ كنتُ أرتبُ خزانتي فوجدتها ولم أجدْ في نفسى رغبةً في تناولهما. قاطعت أسماءُ جدتها قائلةً : يا لها من صدفةٍ جميلةٍ. و لكنَ الجدةَ عقبت قائلةً: ليستْ صدفة..ضحكت الصغيرةُ و غمزت بعينِها : إذن ماذا يا جدتي؟   دعينى أحكي لك حكايةً و ستفهمين, أجابت الجدة.

عرفته الموانيء و المراكبُ و نجومُ السماءِ. هو التاجرُ فالح و هو البائعُ و الشاري ,و على الدوامِ التاجرُ الرابح. يقالُ أنه كانَ فقيراً و ماتَ أبوه فربتّه أمهُ على العيشِ اليسيرِ ,و حفظَ القرآنَ كاملا ًو هو طفلٌ صغير. عملَ في التجارةِ و شعارهُ الإتقانُ و الأمانةُ, و لكنه اشتهرَ بشدةِ برهِ و حبهِ لأمهِ التي ماتت قبلَ أن يتزوج, كانَ يعجزُ أن يرى عجوزاً فلا يقبلُ رأسها و يديها. كانَ فالحُ إبنَ منْ لا ابنَ له ,محبوباً , خلقهُ القرآن, و كانَ يقولُ: ثروتي هي رضا أمي عَلّيَّ

تزوجَ فالحٌ و أنجبَ البنينَ و البناتِ, وكثرَ مالهٌ و إتسعت تجارتهٌ بين القاراتِ. كانَ دائمَ السفرِ كالمزنِ أنىَّ حلتْ هلتْ الرحمات. سُمْعَتُهُ كالمسكِ تسبقهٌ تعطرُ النفوسَ و تنجّحُ له التجارةَ و تنجزُ له كلِ الصفقات. و ذاتَ مرةٍ سافرَ فالحُ التُجّارِ كما سُميّ, إلى الهند ِو كانت أولَ تجارةٍ له في بلادِ البهارات. إشترى الكثيرَ و الكثيرْ … و في طريقِ العودةِ للميناءِ حيثِ السفنِ الراسيات, لمحت عيناهُ إمراةً عجوزاً تجرُ رجليها جراً تبيعُ بعضَ الأعشابِ. إقتربَ منها لا شعورياً يريدُ أن يقبلَ رأسها و لكنَ العجوز َدفعتْ بكيسِ القماشِ الذي بيدها إلى صدرهِ في خشونةٍ استوقفته ,و تمتمتْ بغريبِ الكلمات. سارعَ المترجمُ الهندي الذي يصحبهُ و عاملهَ قائلاً: إنها تسألكَ أنْ تشتري هذهِ البضاعةِ يا سيدي. نظرَ فالحُ الى جذورِ النباتِ الغريبةِ الطازجةِ التي لمْ يرَ مثلها قطْ و قال متبسماً في وجهها: ما هذا يا أمي؟ أدمعتْ عينا العجوزِ و انفرجتْ أساريرُها حين ترجم لها الهنديّ كلمات فالحٍ, و حاولت في حماسةٍ و هي تخرجُ جذورَ النباتِ من الكيسِ أن تشرحَ له كيفَ يستخدمها. قاطعها فالحُ سائلاً: ما إسمُ هذه الجذورْ؟ فأجابت .. و قالَ المترجمُ موضحاً: عرقُ الذهبِ. أرادَ الهندي أنْ يشرحَ للتاجرِ كيفَ يستخدمُ عرقَ الذهبِ ,كما قالت العجور ,و لكنَ دينارَ الذهبِ الذي أخرجهُ فالحٌ و وضعهُ في يدِ العجوزِ أخذَ عقلَ الرجلَ و ولى و ذهب. قَبَّلت العجوزُ الدينارَ و دفعتْ بالكيسَ الى صدر ِفالحٍ ,و سألت المترجمَ أن يشكرَه و أنْ يطلبَ منه وعداً بأن يحتفظَ بالجذورِ حتى يصلَ بابَ بيتهِ. وعدها فالحُ و مضى إلى السفينةِ و غادر َالهندَ في ليلتِه.

كانَ من عادةِ التجارِ تهويةُ البضائعِ على السفنِ و تفقُدِها من الحشراتِ و القوارض. و هذا ما فعلهُ أمين مرافقُ الفالحِ, و أرادَ أن يتخلصَ من كيسِ الجذورِ الذي إبتاعهُ سيدهُ من العجوزِ خشيةَ أن يتلفَ البضاعةَ الجديدةَ, أو أن يغيرَ من نكهةِ البهارات. فتح الكيسَ و إذ  بالجذورِ قد جفت و انبعثتْ منها رائحةٌ غريبةٌ و لكنها طيبةً . هزَ رأسهُ استحساناً و ربطَ الكيسَ و أعادهُ مكانه.مضى الوقتُ و شارفتٌ الرحلةُ  على الإنتهاء, و العودةُ للديارِ و الأحباء

و يومُ العودةِ للديارِ , و الزوجةُ في شوقٍ له كما أطفالهُ الصغار. إستأذنَ الصغيرُ أمهَ أن يذهبَ باكرا ًينتظرٌ أباه على مشارفِ القريةِ مع الرفاق. وعدها بتوخي الحذرِ و حسنَ الخلقِ و عدمَ الشجارِ و الشقاق. و في المروجِ الخضراءِ و سحر ِالتلالِ و زرقةِ السماءِ,  و حبِ الفضولِ و الجوعِ الذي قرصَ الأمعاء  , أكل الصبي من فاكهةِ الأرضِ الغريبةِ التي أغرتهُ بألوانها .  توسطتْ الشمسُ كبدَ السماءَ, فعادَ الصبيةُ لبيوتهمِ. و ما هي الا ساعةً و أخذَ الصغيرُ يتلوى من الألمِ, و صراخهُ يملأُ الأنحاء. فاستدعتْ الأمُ الطبيبَ الذي ما إن فحصهُ سألهُ ماذا أكلت اليوم؟ فأجابهُ الصغيرُ بوصفٍ للثمرةِ التي تناولها في المرج.

خرجَ الطبيبُ مع والدة الطفلِ من الغرفةِ و إذ بالتاجرِ فالح  يدخلُ البيتَ و يغمرٌ وجههُ الخوفَ و القلقْ لرؤيةِ الطبيبِ في البيتِ. قال الطبيبُ: لقد تسممَ الطفلُ لتناولِه نبتة الداتورةِ , هي ثمرةٌ سامةٌ تنبتُ في المروجِ من الفصيلةِ الباذنجانية , و علاجهُ الوحيدُ  الذي يجبُ تناولهُ حالاً قبلَ أن يستشري السمُ  المميتُ في جسدِ الصغيرِو للأسفِ هو نبتةُ عرقُ الذهبِ المجففِ  وهي ليست موجودةً في هذهِ البلاد. كادتْ الأرضُ أن تميدَ به …  ليس َيدري فرحاً أم دهشةً. أسرعَ التاجرُ الى فناءِ البيتِ الكبيرِ ،و سألِ مرافقهَ عن الكيسِ الذي أشتراه ُمن المرأةِ العجوز. تضاحكَ المرافقُ ليسَ يدري ما الخطبُ و قالَ: أتدري يا سيدي لقد كدتُ أرمي الكيسَ في البحر ِلولا رائحتهُ الذكية ، قاطعهُ فالح و خطفَ الكيسَ من يدهِ,  و عادَ ليسلمه للطبيبِ بسرعةٍ و الجميعُ في حالةٍ من الذهولِ و السعادة. نظرتْ الجدةُ في عينيِّ أسماءَ اللتين إتسعتا من الدهشةِ,و سألتها: أتظنينَ يا أسماءَ أنها صدفة؟ ردتْ الصغيرةُ بحماسةٍ و سعادةْ : لا يا جدتي .. إنها مشيئةُ اللهِ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s