فُسيفِساء (الجزء الأول)

Crystal

لم تعدْ تدري منْ أينَ يأتي الألمُ، أهو من قلبِها الذي يعتصرُ نبضهُ أنفاسَها المتسارعةِ، أمْ منْ الجروحِ التي طالت أصابعَها العشرةَ و هي تلملمُ قطعَ الزجاجِ المكسرِ  و تضعها في حجرِها. أمسكتْ قطعةَ الزجاجِ الملونِ و نظرت بإمعانٍ شديدٍ كأنما ترى المشهدَ من خلالِ تلك القطعةِ الصغيرةِ ، حين أتى أبوها بصندوقٍ خشبيٍ لُفَ باحكامٍ شديدٍ، و قالَ لها :يا فرحةَ هذه الهديةُ لكِ ، لقد أهداني إياها تاجرٌ من الشام ِ ،كنت صنعت دواءً لإبنه و قد أتمَ الله عليه بالشفاءِ، و قالَ ليّ التاجر هذه آنيةٌ من الكرستالِ لا أصنعها إلا للأمراءِ و الملوك، و لكن معروفكَ و حسنَ صنيعكِ  مع ولدي ،جعل لك في قلبي أعلى مرتبةً، و قد صنعتها لك بنفسي و دعوتَ لكلِ من شربَ  و أكلَ فيها بالسعادةِ و العافية. فتحَ صالحٌ العطارِ الصندوقَ ،و إذا به كأسين و طبقين من الكرستالِ الملونِ ، الشديدِ النقاءِ. سُرَ قلبُ فرحةٍ و سكنتْ في عينها فرحةٌ تلألأت فأنارت فناءَ البيتِ الواسع. قالَ العطارُ :هي هديةُ زواجكِ و أسألَ اللهَ أن يسعدَك و يفرحَ قلبك. أتدري يا أبي إن أرادَ اللهُ لأشربنَ و آكلنَ و زوجي في هذهِ الآنيةِ ما دامت، قالت فرحة.

فرحةُ بنتُ العطارين، ورثَ أبويها الحرفةَ عن أجدادهم ِمنذ رمنٍ بعيد ٍ، ذاع َصيتهُم و تجاوزَ البر َو المحيط. هي أجملُ الجميلات، و العلمُ و الأدبُ كن لها دوماً أجملَ الزينات. كَثُرَ خطابها ،و لكن أباها أرادَ لها العيشَ الميسورَ و الزوجَ المسرور. تقدمَ لخطبتهِا أغنى التجار، فوافقِ الأبُ لِمَا سمعَ عنه من طيبِ الأخبار، و ما هي إلا أيامٍ و غادرت فرحةُ الديار. و في ديارِ الغريبِ سكنَ البيتُ الكبيرُ المهيبُ، و بدأت العروسُ بترتيبِ البيتِ و تزيّنه و وضعت آنيهَ الكرستالِ على مائدةِ الطعامِ، و أكّدتْ على الخادمةِ أن لا يمسَها أو يغسلَها غيرها.

في قلبِها طيورُ سنونو ٍو بلابلَ تكادُ تطيرُ من الفرحِ و هي تعدُ الطعام َو تنتظر ُزوجها منصور. أتى واجماً، و بالهُ مشغولٌ، سألتهُ ما بهِ ، فقال أنه لا يحبُ كثرةَ السؤالِ. التزمتْ الصمتَ و سكبتَ له الطعام في آنيةِ الكرستالِ و قالت: أتدري أن هذهِ الآنيةُ قد صنعتْ في مكانٍ بعيدٍ لنا.  سألها :منْ أينَ لكِ هذهِ الأنية؟ هديةٌ من أبي .. قطعَ حديثها بغضبٍ و غرورٍ و قالَ :يا ابنةَ العطارِ .. لا آكلُ في آنيةِ الفقراءِ. كسَر فؤادَها من أولٍ يومٍ ، و لكنها قالت في نفسِها : ساعةُ غضبٍ و تمضي. و هكذا ظنت و لكن طبعَه الغضوبِ يزاددُ حدةً مع تذبذبِ حالِ التجارةِ و السوق. لم يكنْ لديهِ أعزُ من المالِ، الذي طالما قالت له: لسنا بحاجةِ للمالِ كما نحتاجُ القناعةَ و راحةَ البالِ … فيجببها أنها إبنةَ الفقرِ و لا تدري كيفَ يجمعُ المالُ. و بعد سبعَ شهور ٍ و قد إحتملتْ إهانتَه الدائمةَ و إستهانتَه بمشاعرِها المحبةِ و الصادقة .. أتى ذاتَ مساءٍ، تشتعلُ في مقلتيهِ نارٌ، فأدركتْ أنه خسرَ مالاً ، و تعرفُ أن ساعةَ الغضبِ لا يجدي معها نصيحةً و لا سؤالاً. جالَ في الغرفةِ و دارَ ،  أرادَ أن ينفخَ من غضبهِ في وجهِها كما يفعلُ دائماً, و لكن صمتها زادَ من غضبهِ، و لمحتْ عيناه الآنيةَ الملونةَ -التي إصطفت في جمالٍ لم يلحظهُ قط- فاندفعَ في غضبٍ شديدٍ ، و ضربها بكلتا يديِه قتساقطتْ قطعاً قطعا في أرجاءِ الغرفة.صوتُ البابِ الذي أغلقهُ منصور بكلِ عنفٍ خلفَه و هو يغادرُ البيتَ، أثارَ صوتاً مخيفاً أيقظها من ذهولها.

“الحزنُ يُقطّعُ القلبَ و يُدمي الروحَ، فتعلمي كيفَ تلملمي أحزانَكِ و تصنعي منها الأملَ بالصبرَ و العمل .”.. تلك وصية أمها.  باتتْ ليلتها تدعو الله أنَ يلهمها الصبرَ ،و أن يكتبَ لجراحِ قلبها الشفاءَ و الجبرَ. عادَ الزوجُ , و قد هدأت براكينهُ و نامَ ملءَ عينيه . في الصباحِ طلبتْ من الخادمةِ غراءً للزجاجِ ، و أمضتْ يومها و هي تحاولُ لصقَ قطعَ الزجاجِ الملونِ ما أمكنها ، حتى صنعتْ منه طبقاً على شكلِ قلبٍ، لم تتمالكْ الخادمةُ نفسها من شدةِ الإعجابِ و قالت: يا اللهُ ما أجملَ هذا الطبق و اللهِ ما رأيتُ مثله قط .و الله إنه لطبقٌ جديرٌ أنْ يأكلَ فيه الأمراءُ و الملوك. دخلَ عليهما الزوجُ و قد سمعَ إطراءَ الخادمةِ و قالَ متهكماً: إمرأةٌ غبيةٌ حمقاءُ تصلحُ زجاجاً مكسوراً و خادمةٌ متملقةٌ خرقاء, لا تدري ما تقول. تلمستْ بحزنٍ شديدٍ الطبق الذي تجانست كلُ قطعهِ بنعومةٍ و ذوقٍ، و قالتْ: لله دركُ يا أمي أنها فيسفيساءُ الصبرِ. قال: لا أفهمُ ما تقولين … فردت :أحاولت …. يوماً.!!!

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s