الغزال الشارد (3)

البحيرة Lake

وصلَ الى قمةِ النهرِ، وقد نالَ منه التعبُ ,و بدأتْ الشمسُ تودعُ السماءَ ,تلملمُ ألوانَها التي امتزجتْ مع بعضها على سطحِ الأفقِ الذي تثاقلَ من وهجها فآثرَ أن يلبسَ عباءةَ الليلِ . قفزَ برشاقةٍ من صخرةٍ الى صخرةٍ، و أوشكَ أن يصلَ الى جانبِ النهرِ الآخر، و لكنَ الصخورَ تباعدتْ أكثرَ من أن تستطيعَ قفزاتهُ الرشيقةَ أن تجتازها . كانَ عليه ان يهبطَ النهرَ قليلاً ليستطيعَ الوصولَ الى الجانبِ الآخرِ، و لكنه لا زالَ يذكرُ نصيحةَ الأصيل( إياك أن تغوصَ النهرَ قدماك و إلا أكلكَ التمساحُ و غيرَ لونُ النهرِ دماكَ ) كان عليه أن يجازفَ بالقفزِ بكلِ ما لديه من طاقةٍ، و فجأة و كأنَ دعاءًا من البعيدِ فتحَ له من الفرجِ طاقةً – جذعُ شجرةٍ يقطعُ النهرَ بسرعةٍ هائلةٍ- قفزَ عليه و لأقربِ صخرةٍ الى الشاطيء قفزَ و قدْ ظنَ أنه نجا، و لكنْ قدمَهُ انزلقتْ عندَ الصخرةِ الملساءِ و إلتوتْ. ملأهُ الخوفُ و أخذَ يقفزُ بسرعةٍ و قد سمعَ صوتاً غيرَ صوتِ الماءِ المتدفقِ و ليسَ يدري كيفَ لامستْ قدماه رمالَ اليابسةِ و قدْ تقطعتْ أنفاسهُ اليائسةِ . التفتْ خلفه الى الماءِ و رأى التمساحَ و في عينيهِ الحسرةِ البائسةِ . جرَ قدمهُ جراً و الألمُ يسرقُ الباقي من أنفاسهِ و الى ظلِ الشجرةِ سقطَ مغشيا ًعليه.

أفاقَ على جلبةٍ و صراخٍ و نهيق , و عراكٍ و تناوشٍ و زعيق. ملءَ نفسهُ الخوفَ و قلبه الإمتعاضَ و الضيق. أنت بأمانٍ لا تقلقْ, لقد وجدناك الصباحَ تحتَ الشجرةِ مغشيًا عليك ,قالَ الحمارُ العجوزُ.حكى الغزالُ حالهُ و ما جرى له . بادرهُ العجوزُ :دعنا نعالجُ قدمكَ و لنرَ قوتكَ و صبرك . لمْ يفهمْ الغزالُ معنى الكلامِ حتى رأى الحمارَ قامَ من مكانه  و أحضرَ عصاً طويلةً و مدَ عليها قدمهُ المصابةَ العليلةَ, و وقفَ الحمارُ منتصباً و رفع إحدى قائمهُ عالياً و هوى بها على قدمهِ المصاب , و ضربها ضربةً كانت آخرَ ما أحسَ به و عن الوعي غاب. فتحً عينيه علي منظرِ حماريين يتقاتلان و العجوز ُبجانبه يتفرج بهدوءٍ و قد خلتْ عينيهِ من أيّ تعبيرٍ أو استنكار. و قطعَ عليه حبلَ الأفكارٍ سائلاً : كيفَ قدمكَ الآن ؟ أحسَ بالفرحِ يملأُ قلبهُ و قد ولى الوجع. الحمدُ للهِ لقد شفيت , ردَ الغزالُ. يجبُ أن تبقى جالساُ لثلاثةِ أيامٍ حتى يكتملَ الشفاءُ ,قالَ الحمارُ العجوزُ. و سأله ما بالُ الشجار ُيملأُ الساحْ و الزعيقُ آتٍ منْ كلِ ناح . قالَ : ليسَ بينا كبيرٌ عندهُ الحكمةَ , و الصغارُ كلٌ لهُ مطمعٌ و رأيٌ و كلمة, و ما منْ حكمٍ أو فيصلٍ بينهم إلا قتلوهُ أو للضباعِ تركوه , لا يجمعنا إلا الخوفُ . أمضى ليلتهُ الأولى و قد ضاقَ ذرعاً من النزاعِ و أثقلَ رأسه الصداعْ. و صحا فجأةً على نهيقٍ غريبٍ كأنهُ بوقُ نذيرٍ بالحربِ وشيكةٍ و تحذيرٍ بمصيبةٍ أكيدة. أتى الضباعُ و القومُ التصقوا ببعضهمْ كصفٍ واحدٍ كأنهم لوحهٌ من أبيضٍ و أسودٍ كأنَ الأفقَ الأزرقَ خلفهم أختفى و ضاعْ. بدأتْ الحمرُ بالجريِ فجأةً و أثاروا الغبارَ كعاصفةِ الصحراء.  أدركَ أنهمْ تركوهُ وليمةً للأعداء. وثبَ يجري و الضباعُ تلاحقه و الأفكارُ أسرعُ من قفزاتهِ الى الجانبِ الغربي من الجبل . كان عليه أن يعي خطواتَهُ ألا تنزلقَ على الصخرِ الأملس , و لكنْ ذلك لم يكنْ كل ما يخشى و قد حاصرتهُ الضباعُ و أدركَ أن حلمَ العودةِ للوطنِ ضاعْ.

منهكَ القوى و قوائمهُ ترتجفُ و على قمةِ الجبلِ نظرَ مودعاً الفضاءَ الرحب , لكن تذكرةَ اشتعلتْ في رأسهِ أولعتْ ناراً من الشجاعةِ في قلبهِ تذكر نصيحة الأصيل( و يأتيك جبلُ الضباعِ , كل من وصله إختفى و ضاعْ , و لكن الجانبَ الغربي من الجبلِ حجرهُ صفوانٌ أملس , و إن قدحته ببعضٍ منه نارهُ أولعْ , و ليس على الضباعِ من النارِ ما هو أشدُ و أهلع) , قدحَ الصخرَ الأملسَ بصخرةٍصغيرةٍ، أشعلتْ النارَ في الشجيراتِ اليابسة ,فجفلتْ الضباعُ ,و لكنَ هديةَ أخرى حلتْ من دعاءٍ بظهرِ الغيبِ أجابتهُ السماءَ , فمنِ جحرٍ قريبٍ تحتَ الشجيراتِ المشتعلةِ قفزَ أرنبٌ فتىٌّ صغيرُ ,و ركضَ مسرعاً , و قفزَ منْ حافةِ الجبلِ إلى الجبلِ الآخرِ كأنما طارَ في السماءِ. لم يفكرْ الغزالُ لحظةً , و قدْ انطفأتْ النارُ و أقبلت الضباعُ نحوهُ , كيفَ إلى السماءِ طار.. و لكنَْ ليس لقمِة الجبلِ الآخرْ … بلْ إلى قاعِ الوادي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s