الغزال الشارد (2)

الأصيل

قطعَ وادٍ تلو وادِ ,و عبر من نهرٍ الى نهرِ، و مضى من العمر زمنٌ و هو لا يدري. زارته الفصولُ التي لم تكن تطول ،و وصل الى وادي الخيول ,رأى جواداً عربياً أجمل ما رأت عيناه له هيبةً و وقار, و الشمس من حسنه تغار , تخطو جنبه زوجةٌ تحار في وصفها الأشعار , و يتقافز بينهما زوجٌ من صغار , يشرح مرآهم الصدر ,و ينشر الفرح في النفس كما عطر الأزهار – حينها فقط , تمني لو أن له أسرة و لو رزق الصغار. أكرم الأصيل ضيافته . عجب من سلطانه و سطوة كلمته و مهابة جانبه و طيب معشره. تاقت نفسه إلى العودة .. إلى الرجوع الي وادي البنفسج, و عَذّب الشوق قلبه و أوجع. سأل الأصيل عن أقرب سبيل للعودة إلى الديار .قال : الأقرب هي الأخطر و الأبعد هي الأصعب . قال الغزال و في لهجته ثقة : بل الأقرب أرغب . قال الأصيل : خلفَ ذاك الجبلِ نهرٌ إياك أن تغوص فيه قدماك الا أكلك التمساحُ و غير لون الماءِ دماكَ , فإن قطعته ناجياً فتلك أرضُ الحمرِ المخططةِ ،إن استطعتَ أن لا تمضي بينهم ليلةً فإفعل , فهم قومٌ شديدو الخصام لا يتفقون علي مقامٍ أو مقال , و إياك ..إياك أن تكون بينهم فيصلاً أو حكما , و إياك أن تقاتل معهم في حربٍ ليس لك فيها ماءاً و لا كلأا . قال الغزال : أهذا كل شيء؟ قال الأصيل : و يأتيك جبلُ الضباعِ , كل من وصله إختفى و ضاع , و لكن الجانب الغربي من الجبل حجرهُ صفوانٌ أملس , و إن قدحته ببعضٍ منه نارهُ أولع , و ليس علي الضباع من النار ما هو أشدُ و أهلع , فإن نجوت فإنزلْ الجبلَ خفيفاً , و أرهفْ السمعَ , و رافقْ الأرنبَ، فهو لخطى الليثِ أسمع ,و إجري في متسعِ الهضبِ ،و تجنب السير في الظل و تحت الشجرِ , فبين غصونها يختبيء عدوك , و يخونك سمعكَ و بصرك. و حين ذاك ليس بينك و بين وادي البنفسج سوي النهر تجتازه.

طابَ الحديثُ و أنُس السحر , و استأذنهم بالغياب القمر , و غشى النوم أعينهم وإستقر. و أفاقت الكائنات على النور , و الثغرُ باسمٌ و الوجوه علاها السرور , و أراد أن يسأل الأصيل عن أسرار الغابة و الكائنات , و لكن خبراً أتى به الناظر – و هو حصانٌ يعلو الجبل يحرس الواد و الطريق يناظر- البشر الأشرار قاربوا على الديار , و في التوِ .. أخذ الأصيلُ القرارَ : علينا الرحيل و لا إنتظار. التفت الى الغزالِ الشارد ِو قال :عدْ الى وطنك الآن … و إمض الي طريقك بلا توان. عجبَ حين أمرَ الأصيلُ القومَ بالإختباءِ في كهفٍ مخفٍ في الجبل , و أمر اثنين من رفاقه بالذهابِ لمواجههِ البشر.

أراد أن يعرفَ مكانَ الكهفِ , و أن يشهدَ ما يصيرُ اليه حالُ الأصيلِ ,و قد علم أنه يريد أن يشّغلَ البشرَ عن مكانِ الكهف ليحمي القطيع .. و إن كان هو الفداءُ و الثمن. رافق الركب إلى كهفٍ في عمق الجبل ,و تلاشى كلُ صوتٍ , و لكن صوتَ الخوفِ و الترقبِ أعلى من أن تحتمله أذناه , فغادر الكهف يجري يسابق الريح الذي بدأ يقتلعُ صغارَ الشجر , و بدأ المطرُ بالنزولِ , و الرعدُ غاضبٌ و نذيرٌ بمصيبةٍ أكيدةِ الحصولِ . و فجأة توقف المطرُ , و سكنَ الكونُ سكوناً غريباً , و علا من بعيدٍ خيطُ دخانٍ ,أخذ يقترب منه في حذرٍ , و إشتم رائحةً ذكيةً ,و سمع أصواتٍ ضاحكة ً, و بالنصرِ منشيةٍ.

تلصصَ خُفيةً , و اذ بالأصيلِ جراحه تدمي , بالسلاسلِ مقيداً .. كسيرَ القلب ,منكسَ الرأسِ . أحسْ به الأصيلُ و رفاقه ،و نظرَ اليه غاضباً .. أيها الشاردُ : إن الفضولَ سهمٌ قاتلٌ .. أترى ذلك الشواءَ .. و الرائحةَ الذكيهَ التي تملأُ الفضاءَ .. ؟ انها لحمُ غزالٍ .. إبتعد عن قطيعه بضعَ خطواتٍ ,و ما الهلاكُ إلا من صغارِ الزلات, فإرحلْ إلى طريقِ النهرِ , و إياكَ أن تعودَ إلى الوادي , فالمطرُ توقفَ عن الهطولِ , و ستتركُ خطواتكَ أثراَ لن يزول …و حينها يتبعك البشرُ إلى كهفِ الخيول . إرحل قبل أن تمسي ذليلا ً أو مأكول. لم يعدْ يحسُ بقدميهِ كيف تركضان , و لم يعد يرى سوى أفقاً فسيحاً أزرقا … ليس يدري أفي خوفهِ … أم شوقهِ .. الي الوطن يغرق … !

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s