هديل

Dove

كنت في زيارة لبيت جدي حيث أمضيت ليلة من أجمل ليالي عمري و في صبيحة اليوم الثاني  ذهبت مع جدتي  الي الحاكورة لنطعم الحمام , ثم مدت يدها و تناولت بحنان زوجين من الصغار,فبدأت الام الحمامة بالهديل. أردت أن أسأل جدتي أتبكي الحمامة صغارها ؟.و لكن جدتي بادرتني بالحديت :سوف أطبخ لك الحمام المحشي اليوم, و هو عرض لا يقاوم ,فسكتّ و تناسيت السؤال. و مضى الوقت و قد عاد جدي من سوق فراس و معه كيسيين فسارعت أنا و فاطمة بنت خالتي لاستقباله. نزل من تلك التلة الرملية البيضاء -التي كانت قمة متعتي في الزحلق عليها – و قد احمرت وجنتاه و تصبب العرق من جبينه و كان صدره يعلو و يهبط مع كل خطوة ينزلها و كان جدي أبيض الوجه بشوش , لم أراه يوما الا مبتسما, تلمع عيناه كأنما النحل سكب فيهما عسله.تناولت فاطمة كيس و نظرت الي داخله و هتفت فرحا: فستق . تناولت الكيس الثاني و نظرت بداخله و لست أدري أطرت من الفرح أم قفزت: حلاوة  شعر البنات , صرخت فاطمة من الفرح للخبر .عرفت أن جدي قد أحضر الفستق و الحلاوة لي و لفاطمة لأنه كان يعرف أننا نحبها. طبخت جدتي الأز و الدجاج و زوج الحمام الذي أصر الجميع ذلك اليوم أنهم يحبون الدجاج و يفضلونه على الحمام فأكلت زغلولة و احدة- فرخ الحمام- و اصرت جدتي أن يأكل جدي الثانية. و ما أن انتهينا من تناول الغذاء حتى سمعنا آذان العصر , و كنت أركض خلف جدي أينما ذهب لأستمع لحكاياته التي لم تنته عن السوق و الناس و كانت حكايات ممتعة و مضحكة. عاد جدي من صلاة العصر و كنت أنتظر بفارغ الصبر لآكل حلاوة شعر البنات الزهرية اللون المصنوعة من السكر . جلس جدي تحت شجرة التوت الوارفة الظلال و العصافير تغني كانها تزف عروس المساء. أحضرت جدتي الشاي و الكيسيين و اجتمع كل سكان المرج الأخضر خالتي و زوجها و ابناؤها و خالي و عروسه , و كل منا تملأ قسمات وجهه الفرح و الرضا. و فجاة أتي زوج من الحمام على غصن شجرة التوت و بدآ بالهديل. كان الجميع لا زالوا يتحدثون و يضحكون ,حين قطعت عليهم الحديث بسؤال جدي: جدي أيبكي الحمام اذا أخذنا صغاره؟ ضحك جدي كثيرا حتي احمر وجهه و أحسست بالخجل الشديد, و لكنه أمسك يدي ووضعها على كم ثوبه الأبيض و سحب كمه الى أعلى بيدي فكشفت عن جرح عميق في يده أقشعر له بدني و نسيت سؤالي و سألته: ماذا حدث ليدك يا جدي؟ قال: وقع ذلك العمود علي يدي و أنا أصلح الحائط و أشار بيده الي عمود حديدي بجانب الفرن الطيني في الحاكورة. ألو بكيت من الصباح الى المساء أكان ذلك يشفي الجرح أو يخفف الألم؟ سألني جدي. قلت: لا . قال: هي أقدار خلقنا و خلقت معنا , علينا الرضا بها ,و أن شكرنا أثابنا الله عليها و عوضنا خيرا منها. التفت جدي الينا جميعا كأنما غطانا بعباءة من نور و قال: اني لأظن أن هديل الحمام  ليس الا حمد و تسبيح .أمسك جدي كفي المبسوطة و وضع فيها بعض من حبات الفستق المقشرة و سألني هل راودك السؤال قبل أم بعد أكل الحمام؟ علا صوت الجميع بالضحك ,فطار زوج الحمام.

2 comments

  1. زكرتيني في ستي ..مشايخ.. الله يرحمها لما كانت تاخدني معها في خان يونس نلف سوا وبعدين وفي اخر المشوار نروح عندكم عالبيت …يا الله…ما أحلى هديك الايام

    • شكرا يا سحر وسعيدة بزيارتك لمدونتي و أعتقد ان هناك قصص قصيرة ستحبينها مثل(يوم من الزمن الجميل- بكاء- اللحن المنسي – يوم من الواقع – بيت الياسمين) لأنها قصصص حقيقة لربما ذكرتك ببعص الناس من طفولتك. يمكنك العودة للتدوينات القديمة و ستجدينها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s